
أحمــد الغامــدي
مشكلة الحوارات والنقاشات العربية مشكلة كبيرة. أو قل : عويصة , كارثية , معقدة .. قل ما شئت.
ومرد ذلك ليس إلى سبب أو سببان , بل إلى أسباب.
وحريٌّ بي أن أذكر هذه الأسباب وأناقشها بعدما بدا واضحاً للعيان كيف أن النقاشات العربية تحمل في كنهها ما يشيب لهوله رأس الصغير!!
السبب الأول: اتخاذ طابع الصراع والمنافسة ,
لا أعلم تحديداً ما الذي يجعل حتى أبسط النقاشات وأكثرها ودية مدعاةً أو فرصة لإثبات الذات أو تعميم الاعتقادات؟!
يعمل البعض على إثبات وجودهم وتلميع صورة شخوصهم من خلال النقاش, حيث يتحدث عن اعتقاده أو فكرته المعينة تجاه موضوع معيّن بلسان الجازم المؤكد, الرافض لأي فكرة أخرى تخالفه, وكأن اعتقاداته وحي يوحى!
فيأتي آخر يحمل نفس الصفة, ليأتي ثالث يحمل الصفة ذاتها أيضاً!!
والنتيجة هي صراع وحرب كلامية, الكل فيها يسعى إلى السبق النقاشي –إن صح التعبير-. ويبقى النقاش على هذه الصورة, وبما أنه أصبح حرباً, فلا بد من منتصر.
من المنتصر يا تُرى؟ إنه الشخص صاحب نبرة الصوت الأعلى!!
السبب الثاني: الإقصاء والتهميش ,
وهذا خلل فظيع في مفهوم الحوار لدى الإخوة العرب تحديداً.
لماذا يعتبر خللاً ؟ لأن التهميش يتنافى مع مبدأ الحوار , ألا وهو تبادل الكلام , فإذا تعمّد شخص ما أن يقصي شخصاً آخر فهو يتعمد إذن قتل مفهوم الحوار وبالتالي القضاء على الهدف المرجو منه.
إن الإقصاء والتهميش كثر حتى بدأ يتطور وينتقل من أطوار إلى أخرى, فأصبح يشكل غاية بذاته لدى البعض.
لقد دخل التهميش من كل أبواب الحوار, وأصبح هناك من الناس من يعتبره شرطاً لازماً لنجاح الحوار, بحجة أنه يعمل على التصفية والتنظيف!!
فلدينا تهميش ديني مذهبي , وتهميش عرقي , وتهميش فكري , وتهميش ظاهري (أي التهميش من خلال الحكم على الشخص من مظهره).
إن الحوار الناجح, أو الهادف على الأقل, لا يحوي أدنى نسبة من التهميش أو الإقصاء. وهذا لأن النقاش بالأصل لا يعتمد على العرق أو المظهر أو الانتماء الديني أو نحو ذلك, لكنه يعتمد على تبادل الأفكار أو مجرد طرحها ومناقشتها بعيداً عن النوايا الخفية أو الرغبات العميقة.
السبب الثالث: ضعف المستوى الفكري لدى المحاورين ,
إن ضعف المستوى الفكري وبعد النظر في الأمور لدى الأشخاص المشتركين في أي حوار له نتائجه السلبية بلا شك.
فهذا يطرح أفكاره في موضوع لا يعلم عنه الكثير , ومع ذلك يستمر في المناقشة والحوار ويتناسى أن من قال لا أعلم فقد أفتى!
فهذا الجاهل الذي يمارس هكذا أعمال, يظن أنه بذلك ينضّم إلى قافلة المثقفين من خلال أفكاره المحدودة بمساعدة من وجاهته أو مظهره أو شهرته أو أياً كان.
ولقد انتشرت هذه الظاهرة للأسف مؤخراً, فأصبح من يعلم ومن لا يعلم يشاركون في نقاش واحد, فيفسد بسبب اختلاط الآراء في ماهيتها, الأمر الذي يحيل النقاش إلى فوضى.
السبب الرابع: وجود السفسطائية في الحوار ,
السفسطائية تعني الإطالة في الكلام والحوار بشكل جدلي, بهدف التضليل عن الحقائق الثابتة المؤكدة, كما أنها تعني فساد المنطق.
وهي مذهب فكري موجود منذ قرون ما قبل الميلاد, أي أنها قديمة جداً, وهذا المذهب أنشأه بعض مفكري الإغريق الذين كان هدفهم محاربة الفلاسفة وتضليل أفكارهم والتصدي لهم لأسباب سياسية, حيث كان الملوك والحكام في ذاك الزمان لا يرغبون في انتشار أفكار وآراء الفلاسفة لأنها تتعارض مع مصالحهم الخاصة, ومن هنا ظهر السفسطائيون كحل لهذه المشكلة.
وقد عانى معظم الفلاسفة المشهورين مثل سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس من أفعال السفسطائيين وأفكارهم المضللة, وقد دخلوا في جدالات ومحاورات كثيرة معهم.
ما أعنيه بربط السفسطائية بالنقاش في أيامنا هذه, هو أن هناك أشخاصاً يملكون نفس صفات السفسطائيين بغض النظر عن أهدافهم. فليس بالضرورة أن يكون هناك حاكماً يعملون لأجله أو طاغية ينفذون أوامره, إلاّ أنهم لديهم دوافعهم الخاصة التي لا تعدو كونها تتعلق بالسمعة أو تتعلق بالغرور الذاتي والشعور بالتعالي أو السيطرة على النقاش!
هؤلاء, يقومون بتضليل المتحاورين عادةً من خلال جعلهم يخوضون في تبعيّات الأمور المختلفة وترك أسبابها. وهذا يعني الدخول والخوض في نتائج الأمور والبقاء على ذلك حتى يتفرع النقاش إلى عدة فروع فتضيع الأفكار الأساسية دون الوصول إلى الحقيقة أو إلى الهدف من النقاش أو إلى أي شيء إيجابي.
السبب الخامس: قولبة الحوار في قالب شخصي ,
كثيراً ما نجد أحدهم يقحم الأمور الشخصية في النقاش, سواءاً الأمور المتعلقة به أم بغيره. فنجده يصطنع المعقوّقات مثل وجوب تحديد العمر أو الجنس أو الموطن والمنشأ أو الحالة الاجتماعية..إلى غير ذلك.
وهذا بحق يفسد النقاش ويجعله ذو مفهوم سخيف, ويتحول إلى ما يشبه المقابلة الشخصية.
هذا لا يعني أن عوامل العمر والجنس وغيرها ليس لها دور في تحديد المنهج الفكري, لكنها ليست هامة على الإطلاق إذا بدا أن الشخص قادر على استيعاب الآراء وإبدائها بدوره.
وليس من الظلم أن نعتقد في هذا الشخص الذي يجعل النقاش ذو طابع شخصي أكثر من موضوعي, أنه بهذا الفعل يبرهن على عدم استطاعته الصمود في النقاش, إما لقلة العلم والمعرفة, وإما بسبب الملل أو غير ذلك من الدوافع, فيقوم باصطناع هذه المطبّات كمحاولة بائسة لحفظ ماء الوجه! على الرغم من أن الحوار ليس حرباً أو سباقاً,وإنما مجرد تبادل وجهات نظر ومناقشة في موضوع معيّن. وليس من المعيب أن نبدي اقتناعاً بوجهة نظر أحدهم, فهذا لا يعني الهزيمة إطلاقاً. أما إذا كان لم يقتنع فعلاً بوجهة نظر الآخر, فيمكنه احترامها على أقل تقدير والبعد عن البحث في الأمور الشخصية, وهناك ألف طريقة وطريقة لبيان عدم الاقتناع بشكل مهذب وغير مؤذي.
السبب السادس: اتخاذ أسلوب الدفاع ,
لا يمكن أن ينجح أحدهم في مجرد إبداء رأيه حول نقطة معيّنة لشخص يتخذ أسلوب الدفاع في النقاش.
فهذا الذي يدافع, يكون على هذه الحالة (حالة الدفاع) قبل حتى أن يبدأ الحوار, ويستمر على هذه الحال بشكل يمنع استمرارية النقاش وبالتالي منعه من الوصول إلى أي نتيجة.
وهذا التصرف يسبب الإحباط لدى المتحاورين ويثبط من همتهم على إنجاح الحوار.
إنه بشكل يدعو للاستغراب, يبقى أحدهم متخذاً أسلوب الدفاع وكأنه يتعرض لهجوم!
فهو يتوهم أن أي شخص يخالفه في رأيه مهاجماً له, لذا يبدأ في العمل بسياسة التصدي, ويرى أن التصدي هو الطريقة المثلى للثبات على الأفكار والآراء الصائبة في نظره.
ومع شخص كهذا تدخل أمنية أو هدف إنجاح الحوار إلى قائمة المستحيلات, ومن الأفضل التخلي عن الحوار قبل أن يتحوّل إلى مسألة شخصية لا ينتج عنها سوى الكراهية.
السبب السابع: غياب الود النقاشي ,
إذا رأيت نقاشاً يخلو من العبارات والجمل الطيبة والودودة, فاعلم يقيناً أنه يسير إلى نهاية غير محببة.
إن النقاشات تتحول إلى جدالات في كثير من الأحيان بسبب انتفاء الود النقاشي.
نواجه نقاشات تكاد تخلو من الجمل الودودة مثل:
أنا أتفق معك في ذلك, لكني أرى أن....
كلامك صحيح, لكن لا أعتقد أن.....
أنا لا أتفق معك ككل, بيد أنك أصبت في.....
كلامك واقعي فعلاً, لكن يجب ألاّ ننسى أن....
كل هذه الجمل وما شابهها لم نعد نراها إلا فيما ندر, الأمر الذي يساهم في جعل النقاشات جافة, وربما تتطور إلى جدل عقيم, وهذا ربما يتطور إلى مسألة تتعلق بالأشخاص أو الأفراد, ثم بعد ذلك تأتي الأحقاد والضغائن.
وكل هذا كان يمكن تفاديه من خلال الكلمة الطيبة ذات التأثير العميق في النفس, والإشعار بالتقدير والاحترام للآخرين.
يقول نجيب محفوظ في هذا الصدد: العقل الواعي هو ذلك القادر على احترام الأفكار حتى وإن لم يؤمن بها.
كم أتمنى أن تتطبع النقاشات لدينا بطابع الود والتقدير من خلال الألفاظ الودودة البسيطة, لكن يبدو أن نجوم السماء لناظرها قريبة !!
هذه هي أبرز الأسباب التي تؤدي إلى تلف الحوار وعدم إثماره, غير أن هناك أسباباً أخرى غير التي ذكرت لها دورها في إفساد الحوار, لكنها لا تعدو كونها أسباباً بسيطة لا تؤثر بقدر ما تؤثر الأسباب العامة أو الرئيسية.
ولسوء الحظ, فإن هذه الأسباب (العوامل) المؤدية إلى هدم الحوار توجد عادةً بشكل جماعي, أي أنها توجد ككل في معظم النقاشات السيئة. فيحدث أن نرى أحدهم يصارع لا يناقش, ونرى آخر يهمش آخر, ونرى ثالث ليس له من العلم شيء لكنه لا يزال يصرّ على الوجود في النقاش, ونرى رابع يتخذ من السفسطة منهجاً له, ونرى خامساً يحيل النقاش إلى مقابلة شخصية, ونرى سادس يتخذ أسلوب الدفاع دون أدنى حاجة إليه, ونرى سابع لا يعرف كيف يتفوّه بكلمة طيبة يبيّن فيها احترام الآخر.
فإذا وُجدت كل هذه العيّنات في نقاش واحد, فقل عليه السلام...
فحتى ولو كان هذا النقاش يحوي أشخاصاً مثقفين أو إيجابيين ولديهم ما يكفي من الخبرة الحوارية, لن ينجح الحوار وإن كان عددهم أكثر من الأشخاص السلبيين.
أما الطامة الكبرى, إذا وُجد شخص يجمع بين أكثر من صفة حوارية سلبية, كأن يكون سفسطائياً وقليل معرفة, أو اقصائياً ومدافعاً ... أو غير ذلك.
هذه هي إستراتيجية النقاشات العربية التي يندى لها الجبين, والتي كُتب عليها الفشل ما دامت موجودة, سواءاً ما يُعرض منها على التلفاز أو يُبثّ عبر الراديو أو يحدث في غرف المحادثة على شبكة الانترنت!!
ومرد ذلك ليس إلى سبب أو سببان , بل إلى أسباب.
وحريٌّ بي أن أذكر هذه الأسباب وأناقشها بعدما بدا واضحاً للعيان كيف أن النقاشات العربية تحمل في كنهها ما يشيب لهوله رأس الصغير!!
السبب الأول: اتخاذ طابع الصراع والمنافسة ,
لا أعلم تحديداً ما الذي يجعل حتى أبسط النقاشات وأكثرها ودية مدعاةً أو فرصة لإثبات الذات أو تعميم الاعتقادات؟!
يعمل البعض على إثبات وجودهم وتلميع صورة شخوصهم من خلال النقاش, حيث يتحدث عن اعتقاده أو فكرته المعينة تجاه موضوع معيّن بلسان الجازم المؤكد, الرافض لأي فكرة أخرى تخالفه, وكأن اعتقاداته وحي يوحى!
فيأتي آخر يحمل نفس الصفة, ليأتي ثالث يحمل الصفة ذاتها أيضاً!!
والنتيجة هي صراع وحرب كلامية, الكل فيها يسعى إلى السبق النقاشي –إن صح التعبير-. ويبقى النقاش على هذه الصورة, وبما أنه أصبح حرباً, فلا بد من منتصر.
من المنتصر يا تُرى؟ إنه الشخص صاحب نبرة الصوت الأعلى!!
السبب الثاني: الإقصاء والتهميش ,
وهذا خلل فظيع في مفهوم الحوار لدى الإخوة العرب تحديداً.
لماذا يعتبر خللاً ؟ لأن التهميش يتنافى مع مبدأ الحوار , ألا وهو تبادل الكلام , فإذا تعمّد شخص ما أن يقصي شخصاً آخر فهو يتعمد إذن قتل مفهوم الحوار وبالتالي القضاء على الهدف المرجو منه.
إن الإقصاء والتهميش كثر حتى بدأ يتطور وينتقل من أطوار إلى أخرى, فأصبح يشكل غاية بذاته لدى البعض.
لقد دخل التهميش من كل أبواب الحوار, وأصبح هناك من الناس من يعتبره شرطاً لازماً لنجاح الحوار, بحجة أنه يعمل على التصفية والتنظيف!!
فلدينا تهميش ديني مذهبي , وتهميش عرقي , وتهميش فكري , وتهميش ظاهري (أي التهميش من خلال الحكم على الشخص من مظهره).
إن الحوار الناجح, أو الهادف على الأقل, لا يحوي أدنى نسبة من التهميش أو الإقصاء. وهذا لأن النقاش بالأصل لا يعتمد على العرق أو المظهر أو الانتماء الديني أو نحو ذلك, لكنه يعتمد على تبادل الأفكار أو مجرد طرحها ومناقشتها بعيداً عن النوايا الخفية أو الرغبات العميقة.
السبب الثالث: ضعف المستوى الفكري لدى المحاورين ,
إن ضعف المستوى الفكري وبعد النظر في الأمور لدى الأشخاص المشتركين في أي حوار له نتائجه السلبية بلا شك.
فهذا يطرح أفكاره في موضوع لا يعلم عنه الكثير , ومع ذلك يستمر في المناقشة والحوار ويتناسى أن من قال لا أعلم فقد أفتى!
فهذا الجاهل الذي يمارس هكذا أعمال, يظن أنه بذلك ينضّم إلى قافلة المثقفين من خلال أفكاره المحدودة بمساعدة من وجاهته أو مظهره أو شهرته أو أياً كان.
ولقد انتشرت هذه الظاهرة للأسف مؤخراً, فأصبح من يعلم ومن لا يعلم يشاركون في نقاش واحد, فيفسد بسبب اختلاط الآراء في ماهيتها, الأمر الذي يحيل النقاش إلى فوضى.
السبب الرابع: وجود السفسطائية في الحوار ,
السفسطائية تعني الإطالة في الكلام والحوار بشكل جدلي, بهدف التضليل عن الحقائق الثابتة المؤكدة, كما أنها تعني فساد المنطق.
وهي مذهب فكري موجود منذ قرون ما قبل الميلاد, أي أنها قديمة جداً, وهذا المذهب أنشأه بعض مفكري الإغريق الذين كان هدفهم محاربة الفلاسفة وتضليل أفكارهم والتصدي لهم لأسباب سياسية, حيث كان الملوك والحكام في ذاك الزمان لا يرغبون في انتشار أفكار وآراء الفلاسفة لأنها تتعارض مع مصالحهم الخاصة, ومن هنا ظهر السفسطائيون كحل لهذه المشكلة.
وقد عانى معظم الفلاسفة المشهورين مثل سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس من أفعال السفسطائيين وأفكارهم المضللة, وقد دخلوا في جدالات ومحاورات كثيرة معهم.
ما أعنيه بربط السفسطائية بالنقاش في أيامنا هذه, هو أن هناك أشخاصاً يملكون نفس صفات السفسطائيين بغض النظر عن أهدافهم. فليس بالضرورة أن يكون هناك حاكماً يعملون لأجله أو طاغية ينفذون أوامره, إلاّ أنهم لديهم دوافعهم الخاصة التي لا تعدو كونها تتعلق بالسمعة أو تتعلق بالغرور الذاتي والشعور بالتعالي أو السيطرة على النقاش!
هؤلاء, يقومون بتضليل المتحاورين عادةً من خلال جعلهم يخوضون في تبعيّات الأمور المختلفة وترك أسبابها. وهذا يعني الدخول والخوض في نتائج الأمور والبقاء على ذلك حتى يتفرع النقاش إلى عدة فروع فتضيع الأفكار الأساسية دون الوصول إلى الحقيقة أو إلى الهدف من النقاش أو إلى أي شيء إيجابي.
السبب الخامس: قولبة الحوار في قالب شخصي ,
كثيراً ما نجد أحدهم يقحم الأمور الشخصية في النقاش, سواءاً الأمور المتعلقة به أم بغيره. فنجده يصطنع المعقوّقات مثل وجوب تحديد العمر أو الجنس أو الموطن والمنشأ أو الحالة الاجتماعية..إلى غير ذلك.
وهذا بحق يفسد النقاش ويجعله ذو مفهوم سخيف, ويتحول إلى ما يشبه المقابلة الشخصية.
هذا لا يعني أن عوامل العمر والجنس وغيرها ليس لها دور في تحديد المنهج الفكري, لكنها ليست هامة على الإطلاق إذا بدا أن الشخص قادر على استيعاب الآراء وإبدائها بدوره.
وليس من الظلم أن نعتقد في هذا الشخص الذي يجعل النقاش ذو طابع شخصي أكثر من موضوعي, أنه بهذا الفعل يبرهن على عدم استطاعته الصمود في النقاش, إما لقلة العلم والمعرفة, وإما بسبب الملل أو غير ذلك من الدوافع, فيقوم باصطناع هذه المطبّات كمحاولة بائسة لحفظ ماء الوجه! على الرغم من أن الحوار ليس حرباً أو سباقاً,وإنما مجرد تبادل وجهات نظر ومناقشة في موضوع معيّن. وليس من المعيب أن نبدي اقتناعاً بوجهة نظر أحدهم, فهذا لا يعني الهزيمة إطلاقاً. أما إذا كان لم يقتنع فعلاً بوجهة نظر الآخر, فيمكنه احترامها على أقل تقدير والبعد عن البحث في الأمور الشخصية, وهناك ألف طريقة وطريقة لبيان عدم الاقتناع بشكل مهذب وغير مؤذي.
السبب السادس: اتخاذ أسلوب الدفاع ,
لا يمكن أن ينجح أحدهم في مجرد إبداء رأيه حول نقطة معيّنة لشخص يتخذ أسلوب الدفاع في النقاش.
فهذا الذي يدافع, يكون على هذه الحالة (حالة الدفاع) قبل حتى أن يبدأ الحوار, ويستمر على هذه الحال بشكل يمنع استمرارية النقاش وبالتالي منعه من الوصول إلى أي نتيجة.
وهذا التصرف يسبب الإحباط لدى المتحاورين ويثبط من همتهم على إنجاح الحوار.
إنه بشكل يدعو للاستغراب, يبقى أحدهم متخذاً أسلوب الدفاع وكأنه يتعرض لهجوم!
فهو يتوهم أن أي شخص يخالفه في رأيه مهاجماً له, لذا يبدأ في العمل بسياسة التصدي, ويرى أن التصدي هو الطريقة المثلى للثبات على الأفكار والآراء الصائبة في نظره.
ومع شخص كهذا تدخل أمنية أو هدف إنجاح الحوار إلى قائمة المستحيلات, ومن الأفضل التخلي عن الحوار قبل أن يتحوّل إلى مسألة شخصية لا ينتج عنها سوى الكراهية.
السبب السابع: غياب الود النقاشي ,
إذا رأيت نقاشاً يخلو من العبارات والجمل الطيبة والودودة, فاعلم يقيناً أنه يسير إلى نهاية غير محببة.
إن النقاشات تتحول إلى جدالات في كثير من الأحيان بسبب انتفاء الود النقاشي.
نواجه نقاشات تكاد تخلو من الجمل الودودة مثل:
أنا أتفق معك في ذلك, لكني أرى أن....
كلامك صحيح, لكن لا أعتقد أن.....
أنا لا أتفق معك ككل, بيد أنك أصبت في.....
كلامك واقعي فعلاً, لكن يجب ألاّ ننسى أن....
كل هذه الجمل وما شابهها لم نعد نراها إلا فيما ندر, الأمر الذي يساهم في جعل النقاشات جافة, وربما تتطور إلى جدل عقيم, وهذا ربما يتطور إلى مسألة تتعلق بالأشخاص أو الأفراد, ثم بعد ذلك تأتي الأحقاد والضغائن.
وكل هذا كان يمكن تفاديه من خلال الكلمة الطيبة ذات التأثير العميق في النفس, والإشعار بالتقدير والاحترام للآخرين.
يقول نجيب محفوظ في هذا الصدد: العقل الواعي هو ذلك القادر على احترام الأفكار حتى وإن لم يؤمن بها.
كم أتمنى أن تتطبع النقاشات لدينا بطابع الود والتقدير من خلال الألفاظ الودودة البسيطة, لكن يبدو أن نجوم السماء لناظرها قريبة !!
هذه هي أبرز الأسباب التي تؤدي إلى تلف الحوار وعدم إثماره, غير أن هناك أسباباً أخرى غير التي ذكرت لها دورها في إفساد الحوار, لكنها لا تعدو كونها أسباباً بسيطة لا تؤثر بقدر ما تؤثر الأسباب العامة أو الرئيسية.
ولسوء الحظ, فإن هذه الأسباب (العوامل) المؤدية إلى هدم الحوار توجد عادةً بشكل جماعي, أي أنها توجد ككل في معظم النقاشات السيئة. فيحدث أن نرى أحدهم يصارع لا يناقش, ونرى آخر يهمش آخر, ونرى ثالث ليس له من العلم شيء لكنه لا يزال يصرّ على الوجود في النقاش, ونرى رابع يتخذ من السفسطة منهجاً له, ونرى خامساً يحيل النقاش إلى مقابلة شخصية, ونرى سادس يتخذ أسلوب الدفاع دون أدنى حاجة إليه, ونرى سابع لا يعرف كيف يتفوّه بكلمة طيبة يبيّن فيها احترام الآخر.
فإذا وُجدت كل هذه العيّنات في نقاش واحد, فقل عليه السلام...
فحتى ولو كان هذا النقاش يحوي أشخاصاً مثقفين أو إيجابيين ولديهم ما يكفي من الخبرة الحوارية, لن ينجح الحوار وإن كان عددهم أكثر من الأشخاص السلبيين.
أما الطامة الكبرى, إذا وُجد شخص يجمع بين أكثر من صفة حوارية سلبية, كأن يكون سفسطائياً وقليل معرفة, أو اقصائياً ومدافعاً ... أو غير ذلك.
هذه هي إستراتيجية النقاشات العربية التي يندى لها الجبين, والتي كُتب عليها الفشل ما دامت موجودة, سواءاً ما يُعرض منها على التلفاز أو يُبثّ عبر الراديو أو يحدث في غرف المحادثة على شبكة الانترنت!!
إلى لقـاء آخر بإذن الله ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق